الجصاص
210
أحكام القرآن
أذن لكم ) الآية . ربما احتج بعض الأغبياء من نفاة القياس بهذه الآية في إبطاله ، لأنه زعم أن القائس يحرم بقياسه ويحل . وهذا جهل من قائله ، لأن القياس دليل الله تعالى كما أن حجة العقل دليل الله تعالى وكالنصوص والسنن كل هذه دلائل الله تعالى ، فالقائس إنما يتبع موضع الدلالة على الحكم فيكون الله هو المحلل والمحرم بنصبه الدليل عليه ، فإن خالف في أن القياس دليل الله عز وجل فليكن كلامه معنا في إثباته ، فإذا ثبت ذلك سقط سؤاله ، وإن لم يقم الدليل على إثباته فقد اكتفى في إيجاب بطلانه بعدم دلالة صحته ، فلا يعتقد أحد صحة القياس إلا وهو يرى أنه دليل الله تعالى ، وقد قامت بصحته ضروب من الشواهد ولا تعلق للآية في نفي القياس ولا إثباته . وربما احتجوا أيضا في نفيه بقوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] ، وهذا شبيه بما قبله ، لأن القائسين يقولون القول بالقياس مما أتانا الرسول به وأقام الله الحجة عليه من دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، فليس لهذه الآية تعلق بنفي القياس . قوله تعالى : ( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) . قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنها لام العاقبة ، كقوله تعالى : ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) [ القصص : 8 ] والآخر : لئلا يضلوا عن سبيلك ، فحذفت " لا " كقوله تعالى : ( ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما ) [ البقرة : 282 ] أي لئلا تضل ، وقوله : ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) [ الأعراف : 172 ] أي لئلا تقولوا ، وقوله : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) [ النساء : 176 ] معناه أن لا تضلوا . قوله تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) . أضاف الدعاء إليهما ، وقال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن موسى : " كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين " . وهذا يدل على أن آمين دعاء ، وإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه أفضل من الجهر به لقوله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) [ الأعراف : 55 ] آخر سورة يونس عليه السلام .